الصحراء زووم : اسماعيل الباردي
عرف المجتمع الصحراوي في الآونة الأخيرة تغييرات متتالية تمخضت عن انفتاحه على الثورة المعلوماتية الكبيرة التي يعرفها العالم ، غير أن الإنسان الصحراوي كإنسان خبر البادية وعاش ردحها اضطر لحياة المدينة دون سابق خيار أو تمهيد، ليقحم في عالم التمدن بوتيرة سريعة خالية من أي مراحل انتقالية، مما انعكس سلبا على هذا التحول وجعله مشوبا بنزعة الأصالة حيث أن أهل الصحراء وبالرغم من اندماجهم في هذه الثورة التقدمية الحديثة ظلوا متمسكين بعدة ثوابت وموروثات.
منها ما يكتسى طابعا قيميا فكريا ،ومنها ما يكتسي طابعا أدبيا و ترفيهيا ،إلا أن هذا الأخير هو ما سنقتصر على دراسته من خلال هذالموضوع خاصة فيما يتعلق بالألعاب الشعبية الصحراوية النسائية منها والرجالية المتداولة في شهر رمضان الكريم ،محاولين إبراز أهم التغييرات التي أحاطت بها في إطار انسياق المجتمع الصحراوي مع قاطرة التمدن وتأثيرات العولمة.
وقبل أن نغوص في ثنايا الألعاب الرمضانية لأهل الصحراء كان ،لزاما علينا التوقف عند مفهوم اللعب وتحديده بشكل دقيق . حيث نجد "شابلر" يعرفه في قاموس علم النفس باعتباره نشاطا يمارسه الناس أفرادا أو جماعات بهدف الاستمتاع و دون أي دافع آخر ". كما تعرفه " سوزانا ميلر ": بأنه نشاط سلوكي هام يقوم بدور رئيسي في تكوين شخصية الفرد وتأكيد تراث الجماعة أحيانا , كما أنه ظاهرة سلوكية في الكائنات الحية، ويتميز بها الإنسان على وجه الخصوص .
ويعتبر اللعب في المجتمع الصحراوي أحد أهم العناصر المكونة للثراث الشعبي،وجزءا مهما من الذاكرة والوجدان الجماعي، كما هو الشأن لأي مجتمع. فهو نتاج للتكوين الثقافي والحضاري وانعكاس للبيئة الطبيعية والجو الاجتماعي السائد.
وباعتبار شهر رمضان شهرا فضيلا تلتحم فيه أواصر القرابة وتكثر فيه صلة الرحم والزيارات العائلية كان لابد لشعب الصحراء أن يزين جلساته ويضفي عليها طابعا مرحا من خلال ألعاب شعبية اتسمت بعراقتها . ولعل أبرزها مايلي:
الألعاب النسائية:
السيك:
عرفت لعبة السيك تغييرات كثيرة على مستوى اللوازم والمعدات في السنوات الأخيرة ،حيث كانت لعبة جماعية ظريفة تلعب في كل الأوقات ولا تتطلب أدوات كثيرة أو مكلفة ، إذ تقتصر في لوازمها على الأدوات الآتية: - ثمانية أعواد يبلغ طول كل واحد منها ما بين 35 إلى 40 سنتمترا، وتصنع عادة من القصب أو الخشب.

ويسمى كل عود من هذه الأعواد سيكة ،لها وجهان وجه خارجي والآخر داخلي. هذا بالإضافة إلى رقعة رملية ترسم عليها خطوط متوازية إلى جانب بيادق و تتخد عادة من الحصى أو بعر الإبل والأعواد الصغيرة .
إلا أنه وفي إطار التمدن الذي عرفه أهل الصحراء تم استبدال كل تلك المعدات السالفة الذكر بأخري جديدة تتمثل في صندوق خشبي يحتوي على 14أو 21 قطعة خشبية بحسب حجم الصندوق ويتم ترتيبها على ظهره إضافة إلى تلوين الأعواد المتخذة كسيكات بنقوش مختلفة.

و تشرع اللعبة بمبادرة أحد الفريقين ويتكون الفريق من لاعبة واحدة الى خمسة أو ستة وقد يفوق العدد ذلك،حيث تأخذ إحدى اللاعبات الأعواد السبعة وترميها أرضا،ويمنع اللعب بالأعواد الثمانية أو تحريك بيادقه في رقعة الرملية حتى يتمكن اللاعبين من الحصول بما يسمى “سيكة” أي أن تسقط 6 أعواد على جهة واحدة باستثناء سيكَة واحدة سواء كانت من الوجهة الداخلية أو الخارجية.
أما حين تسقط أعواد كلها مبدية وجهتها الداخلية فإن اللاعبة تحصل على ما يسمى *بحجبة*،التي توازي أربعة سيكَات ما لم يلغيها *حمار*،بمعنى أن تسقط أعواد ستة على وجهتها الخارجية إلا عودين وقد تحصل المتبارية على *بكَرة *،عندما تسقط أعواد ثمانية مبدية وجهتها الخارجية ولا تلغى البكَرة إذا ما تمكنت أللاعبة المتنافسة من الحصول على حمار.
يقال “فلانة جات“و “فلانة فطرت“؛في حالة ما حصلت اللاعبة على سيكَة أو بكرة أو حجبة يسمح لها بتحريك بيادقها حسب العدد المحصل عليه،كما تمنح الحق بإعادة اللعب في حالة حصولها على عدد 4 أو تضاف إلى رصيدها ما لم يلغيها “الحمار“،وفي حالة الفوز بعدد من أسياكَ أو حجبات أو بكَرة فان ذلك يعطيها الحرية المطلقة في موضعة البيادق،إذ في مقابل كل سيكَة تكتسب الحرية في تحريك بيدق كما تشاء عند فك كل البيادق فان ذلك يتطلب من الفريق الحصول على سيكَة يحلل بها المال ويقال إنه “تلب” أو “السيكَة تلبت” ونتيجة لذلك تغدوا للفريق كامل الصلاحية في تصفية بيادق خصمه داخل عقر داره.
تعتمد لعبة السيكَة على الحظ والحنكة في تسير ونقل البيادق و المحاولة المستقيمة لنقل الصراع من الخطوط الخلفية الى الوسط،من ثم الهجوم على الخصم في ميدانه ثم الإنتقال لتصفية باقي البيادق،و الرابح هو من يتمكن في النهاية من تصفية بيادق الخصم،وفي حالة إذا ما حصل واجتمع بيد قين خصمين داخل دار واحدة يكون الإمتياز لمن جاء دوره،أما في حالة اجتماع بيد قين من النوع ذاته داخل بنفس العدد الذي اجتمعا فيه لتتم النقلة إلى الدار الموالية دار واحدة فيفصل بينهما إذا رغبت اللاعبة في فصلهما،كما انه يحرم ويمنع القتل في وجود دور فوق الرقعة،و هي ما يسمى ”بتشانيارت ” يقال ”تشنير”حيث باستطاعة بيد قين خصمين الاجتماع فيها ويبلغ عددها أربعة،وعندما تحصل إحدى اللاعبات على سيكَة عادة ما يمنح فرصة اللعب للاعبة الأخرى من الفريق نفسه،فيقال لها ”خب الرغوة ” أي أتقن اللعب وعاود الكرة تيمنا بسيكَ السابق أو تقوم بكسر العود الثامن و تقول ” السيكة انكسرت” “دوري السيك ” وتكررها مرارا.
الألعاب الرجالية
ظامة:
هي عبارة عن رقعة مشبكة يتم رسمها على الرمال، ويبلغ عدد تقسيماتها إلى أكثر من ثمانين مربع، يلعبها شخصان يحيط بهما لفيف من الأصدقاء المناصرين يحفزون اللاعبين ويشجعانهما على بذل أكبر مجهود للفوز والظفر. وهي إضافة إلى ذلك لعبة تساهم في إذكاء مهارات الإنسان، وتدفعه إلى التفكير وتحفز على المواجهة العقلية والتميز بسرعة البديهة والقدرة على اكتشاف مواطن الضعف لدى الخصم للتمكن من التغلب عليه. وبالتالي فإن هذه اللعبة تساعد على إثبات الذات في جو من التنافس الشريف، الذي يروم المتعة والتسلية وتحريك نوازع الذكاء والموهبة.
الدومينو:
يتكون الدومينو من 28 قطعة يطلق عليها الصحراويون اسم فيتشا و هي كلمة تستند إلى الأصل الاسباني للعبة، و غالبا ما يتبارى على لعبة الدومينو فريقين يتكون كل واحد منها على الأقل من شخصين، و ناذرا ما يتنافس على الدومينو شخصان، و لايمكن أن يلعبه ثلاثة أشخاص ، و تقوم طريقة اللعب على التدبير الجيد من طرف كل لاعب أو فريق لحصته من قطع الدومينو السبعة و التخلص منها قبل الفريق الخصم.
إلا أنه وفي إطار انفتاح الرجل الصحراوي على الألعاب الرائجة حديثا أضحى تداوله "للدومينو" و"الضامة " قليلا مقارنة مع لعبة الورق "مرياس" التي اكتسحت بقوة مجالس الشباب الصحراوي سواء في رمضان أوغيره .
مرياس:
تعتبر لعبة مرياس من الألعاب الرجالية الحديثة إلى جانب لعبة الدومينو والتوتي، وتتأسس اللعبة على أربع قبائل متنافسة و هي : "البيك"، "الكور"، "الكارو" و "الطريفل" و أكبر القبائل في اللعبة هي "البيك" تليها "الكور" ثم "الكارو" و أخيرا "الطريفل" بمعنى أنه اذا نطق أحد أفراد اللعب "بيك" يقتل جميع أوراق "الكور"و "الكارو" و "الطريفل "و هكذا بالنسبة للقبيلة التي تليها.
ختاما لا يمكننا القول سوى أن الإنسان الصحراوي، إنسان اجتماعي بطبعه يقدس روح الجماعة ويكرسها في شتى مجالات حياته، حيث أنه في ظل ما عاشه من قساوة الطبيعة وصعوبة العيش في غياهب الصحراء، كان مجبرا أن يخلق متنفسا يروح به عن نفسه ويخلق به فضاءا للفرحة والسرور شريطة أن يكون هذا الفضاء يحافظ على روح الجماعة ويحميها ، وهو ما عكسته الألعاب الشعبية في الصحراء ليبقى التحدي مفتوحا أمام مجتمع الصحراء الحديث في كيفية الحفاظ على هذه الألعاب وتطويرها بشكل يواكب انخراطه في ركب التمدن والعصرنة.